هذا الكتاب شهادة إنسانية موجعة على مرحلة من أكثر الصفحات التونسية قسوة وصمتًا، ونافذة مفتوحة على تجربة ظلّت طويلًا حبيسة الذاكرة الفردية قبل أن تجد طريقها إلى الكتابة. في "الطريق إلى محتشد رجيم معتوق" يقدّم عمّار الجماعي سيرة روائية تستعيد تجربة التجنيد القسري للطلبة، حيث تحوّلت الخدمة الوطنية، في لحظة سياسية متوترة، إلى أداة تأديب ونفي وعقاب للمعارضين والمتمرّدين على السائد
هذا العمل لا يكتفي بسرد وقائع شخصية، وإنما يفتح جرحًا جماعيًا يرتبط بجيل كامل عاش القمع في أشكال متعددة، من الاعتقال والتعذيب إلى الترحيل القسري إلى أقاصي الصحراء، في تجربة تختلط فيها قسوة المؤسسة بالحنين إلى البيت، والخوف بالأمل، والانكسار بالكبرياء. ومن خلال هذا المسار، تتحول السيرة إلى وثيقة أدبية وإنسانية تستعيد وجوهًا وذكريات وأسماء وتجارب صنعت جزءًا من التاريخ التونسي المسكوت عنه.
ما يمنح هذا الكتاب قوته أنه مكتوب من داخل التجربة لا من خارجها، بنبرة من عاش الألم وحمل أثره طويلًا، فتصبح التفاصيل الصغيرة أكثر من مجرد مشاهد عابرة؛ رسالة مهرّبة إلى الأهل، دمعة أب، انتظار أم، رفاق يتقاسمون الخبز والوجع، وصحراء تتحول إلى فضاء لاختبار أقصى ما يمكن أن يحتمله الإنسان من قهر وما يمكن أن يحتفظ به من كرامة.
لغة الكتاب تحمل حرارة الذاكرة وصدق الشهادة، وتمنح القارئ تجربة لا تقتصر على معرفة ما حدث، بل على معايشة ما شعر به أولئك الذين وجدوا أنفسهم فجأة خارج مقاعد الدراسة وداخل عالم من الإذلال والانضباط القسري والعزلة. وهي قراءة تهمّ المهتمين بالتاريخ السياسي التونسي، وأدب السيرة، وذاكرة القمع، وكل قارئ يبحث عن نص إنساني يضيء منطقة معتمة من الوعي الوطني.
"الطريق إلى محتشد رجيم معتوق" كتاب عن الإنسان حين يُنتزع من حياته ليُختبر في أقسى الظروف، وعن الذاكرة حين تتحول إلى مقاومة، وعن الكتابة حين تصبح وفاءً لجيل كامل لم يشأ أن يُنسى.
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات