في «بين ربيع / بني ربيعة: إطلالة على الماضي... وتأملات في الحاضر» يقدّم الدكتور عبد العزيز حسن البقلوطي الربيعي عملاً يتجاوز حدود التوثيق المحلي ليصبح فعل وفاء للذاكرة، ومحاولة جادة لإنقاذ تاريخ مكان من النسيان، ذلك المكان الذي لا يُقاس بمساحته أو بعدد سكانه، بل بما يختزنه من حكايات البشر، وآثار الأجداد، وروح الانتماء.
هذا الكتاب ليس مجرد سرد لتاريخ قرية، بل رحلة في تكوين المكان والإنسان معًا؛ يبدأ من الجذور، من أسئلة النشأة والهوية، ثم ينفتح على تاريخ بني ربيعة في تأسيسها وتحولاتها، وعلى تفاصيل الحياة الدينية والوطنية والتربوية والاجتماعية التي صنعت ملامحها عبر الأجيال. ويمنح القارئ مادة ثرية جمعت بين الوثيقة المكتوبة، والصورة، والرواية الشفوية، في جهد بحثي يكشف حرص المؤلف على بناء ذاكرة جماعية متماسكة تحفظ للمكان اسمه ولأهله أثرهم.
ما يمنح هذا العمل خصوصيته أن صاحبه لا يكتب عن موضوع بعيد عنه، بل عن مكان يسكنه وجدانيًا، لذلك تبدو الصفحات مشبعة بحرارة الانتماء دون أن تفقد بعدها التوثيقي. فالقارئ لا يجد نفسه أمام معلومات جامدة، بل أمام حكاية مجتمع، وعلاقة إنسان بأرضه، وتاريخ يتقاطع فيه الخاص بالعام، والمحلي بالوطني.
إنه كتاب يهم أبناء الجهة، والمهتمين بالتاريخ المحلي، وكل قارئ يرى أن المدن والقرى ليست مجرد نقاط على الخريطة، بل كائنات حيّة تتكوّن من الذاكرة والناس والزمن. قراءة هذا الكتاب ليست عودة إلى الماضي فقط، بل فهم أعمق للحاضر، واستحضار لما يجعل الأمكنة جديرة بأن تُروى.
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات