img
سيرة امرأة ممكنة
عبد اللطيف علوي
32,000 د.ت
هذه ليست حكايتي… ميونيخ، ديسمبر 2019 كان البرد يقرص أطراف المدينة، ميونيخ في ديسمبر ليست مجرّد شوارع نظيفة وواجهات مضيئة، هي مرآة بيضاء تصقل الذّاكرة. جئت مدعوّا للحديث في ذكرى الثّورة التّونسية، في القاعة كانت الأعين تلمع للحظات ثمّ تنطفئ، وكان صوتي يب
تفاصيل الكتاب
قياس الكتاب عدد الصفحات سنة الإصدار الترقيم الموحد
15/21 216 2026 9789909752210
هذه ليست حكايتي… ميونيخ، ديسمبر 2019 كان البرد يقرص أطراف المدينة، ميونيخ في ديسمبر ليست مجرّد شوارع نظيفة وواجهات مضيئة، هي مرآة بيضاء تصقل الذّاكرة. جئت مدعوّا للحديث في ذكرى الثّورة التّونسية، في القاعة كانت الأعين تلمع للحظات ثمّ تنطفئ، وكان صوتي يبحث عن معنى للحكاية لا عن خطب. كنت أحسّ أنّ الكلمات إن لم تمسّ الجرح تصبح زينة، والزّينة في الجنازات خيانة لطيفة. في تلك الفترة، وصلني اتّصال من امرأة لا أعرفها. لم تقدّم نفسها كثيرا، قالت فقط إنّها تونسيّة مقيمة في برلين وتعرفني من خلال ما أكتب، وإنّها قرأت رواياتي وتأثّرت بها كثيرا، وإنّها تريد أن تراني لأنّ لديها حكاية تريدها أن تُروى. قلت لها ببساطة إنّي في اليوم الموالي سأسافر إلى "بون". ظننت أنّ الموضوع سيتأجّل تلقائيّا، لكنّها لم تتردّد وقالت بهدوء فيه شيء من الإصرار: "نجيك غادي مالا". واتّفقنا. في اليوم الموالي استقبلتني "بون" بسماء رماديّة تليق بالمدن الّتي تحفظ أسرار العابرين. اخترنا مكانا قريبا، مقهى صغير غير بعيد عن قاعة الأنشطة، دخلت هي في موعدها تماما. امرأة في أواخر الثّلاثينات، ملامحها هادئة لكنّ عينيها تختصران مسافات طويلة. قدّمت نفسها على عجل ودخلت مباشرة في الموضوع: "لديّ الكثير ممّا أريد أن أقوله لهذا العالم... أريدك أن تكتب حكايتي!" لا أخفي أنّني في داخلي استخففت بالأمر في بدايته، لكنّي حرصت تماما على ألاّ أظهر ذلك، من باب اللّياقة على الأقلّ. فمع الوقت حصل لديّ انطباع صحيح في الغالب، أنّ كلّ النّاس يعتقدون أنّ حياتهم استثنائيّة، وأنّهم أشخاص خارقون، وأنّ الألم الّذي عاشوه لم يعشه أحد من قبلهم، وأنّه يستحقّ أن يتحوّل إلى كتاب. خطر لي أنّها واحدة من هؤلاء، وأنّ طلبها لا يختلف كثيرا عن عشرات الطّلبات المؤجّلة في ذاكرتي. ومع ذلك، بدافع المجاملة لا أكثر، طلبت منها أن تسجّل مقاطع صوتيّة تحكي فيها بعضا من حياتها، وترسلها إليّ على "الوتساب"، على أن أستمع إليها لاحقا وأقرّر إن كان في الأمر ما يستحقّ. في الحال أخرجت "فلاش ديسك" زرقاء ووضعتها بيننا. قالت بصوت واثق: "كأنّني قرأت أفكارك.. هنا تسجيلات صوتيّة… محطّات من حياتي. نحبّ نحكيها للنّاس! نتمنّى تكتبها رواية".  لم تقل سيرة ولا اعترافات، قالت رواية.. كأنّ الحقيقة تحتاج دائما إلى شكل يحميها ويكشفها. أخذت "الفلاش ديسك" كأمانة، والشّكّ يقف على الباب. ثمّ نهضت وأنا أقول: "باش نسمع… وإذا لقيت حاجة تتكتب نرجعلك". ثمّ تصافحنا وتواعدنا بلا ضمانات، وانسحبنا. وبقيت رائحة القهوة في المكان وارتجاف خفيف في الهواء. في تلك اللّيلة عدت إلى غرفتي، وضعت السّمّاعات، وضغطت على زرّ التّشغيل. جاءني صوتها من العتمة بلا زينة وبلا دراما أو بكاء مصطنع. كان صوتا هادئا يعرف طريقه إلى الأعماق دون مؤثّرات. ثِقل صادم، جمل قصيرة تتبعها فجوات.. هناك شيء أثقل من الحكاية نفسها، شيء يتحرّك في العمق بصمت ويعرف تماما أين يضغط. وفهمت على الفور أنّ الفجوات ليست فراغا بل هي قلب الحكاية. كنت أوقف التّسجيل أحيانا لألتقط أنفاسي، ثمّ أعود لأنّ شيئا ما كان يدفعني للعودة. لم يعد الأمر مجرّد فضول، لقد تورّطت في حكاية خطيرة وصرت شاهدا… والإصغاء صار أوّل مدارج الرّحلة. مع تقدّم التّسجيلات وجدت نفسي أعيش الحكاية معها، لا ككاتب يبحث عن مادة، بل كشاهد يتعلّم أنّ الإصغاء قد يكون فعلا أخطر من الكتابة. بدأت تتشكّل أمامي صورة بالغة الخصوصيّة والعمق عن رحلة حياة كاملة بكلّ غربتها وغرابتها، رأيت كيف يمكن لتاريخ بلد أن يمرّ داخل جسد امرأة، أن يقطعها كسيف، كيف تصير السّياسة وحشا في المتلوّي وظلّا طويلا باردا على كرسيّ طبّيّ في برلين، وكيف يصير المجتمع قاضيا يكتب أحكامه على الوجوه. عندها بدأت رواية "سيرة امرأة ممكنة" تتخلّق، بوصفها فكرة أدبيّة وحكاية عن الوطن المستحيل، وبوصفها كذلك ضرورة فلسفيّة ووجوديّة في آن واحد: ضرورة أن يتحوّل الصّوت إلى وشم عميق على الورق قبل أن يبتلعه النّسيان. مضى زمن طويل قبل أن أتفرّغ للأمر وأجد الشّجاعة والدّفق اللاّزم من الوقت والهدوء والصّفاء، كي أدخل إلى تلك المغامرة الخطيرة! وكنت أشعر أنّي سأخرج منها إنسانا آخر بكسور وعاهات نفسيّة كثيرة يصعب أن أحتملها بعد ذلك أو أتعايش معها.. ثمّ غادرت البرلمان، وغادرت أوهام السّياسة، وتفرّغت لما يصلح للحياة، فكان البدء في هذه الرّواية. ثلاث سنوات من الحفر اليوميّ في تربة مالحة، كتبت ومحوت وأعدت التّرتيب والتّوضيب كثيرا، لكي يليق بكلّ ذلك الألم الّذي تحمله الحكاية! تدخّلت في التّفاصيل لأعيد ترتيب الأماكن والأزمنة وأخلق فصولا جديدة في الحكاية مشهدا بمشهد، لعلّي أستطيع أن أملأ فراغات الصّمت بخيال يحترم الحقيقة ولا يزوّرها. كنت أكتب وأشعر أنّني لا أخدم القصّة بل أملكها، ولي فيها تماما مثل ما لصاحبتها. وفي كلّ مرّة أمدّ يدي إلى جملة كنت أتذكّر تلك اللّحظة في بون: فلاشة زرقاء فوق الطّاولة، وامرأة غريبة تقول لي: "اكتبني" فقط، ثمّ تختفي بهدوء! هكذا وُلدت رواية "سيرة امرأة ممكنة"، رواية ثورة في جسد امرأة تحوّلت إلى امرأة في جسد ثورة، من مكالمة مفاجئة، ومن صوت واحد صار صوتين: صوتا عاش التّجربة، وصوتا حاول أن يكون شريكا فيها بالكتابة، بإيمان ووفاء واحترام. هذه ليست سيرة لصاحبتها ولا اعترافا بالنّيابة، إنّما هي شهادة كُتبت بصوتين التقيا عند نقطة واحدة، حيث يصبح الصّمت خيانة وتصبح الأسماء بداية لكلّ شيء. وهذا الكتاب في النّهاية، هو هديّة إليها، إن هي قرأته يوما.. حيثما تكون.
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات
كتب لنفس الكاتب
  • img
  • img
  • img
  • img
  • img
  • img
كتب في نفس الموضوع
  • img
  • img
  • img
  • img
  • img
  • img
  • img
  • img
  • img
  • img
  • img
  • img
  • img
  • img
  • img
  • img
  • img
  • img