أغرتنا كتب الرحلات ومصنفات المسالك والممالك بالنظر فيها إغراء شديدا ، فأقبلنا على قراءتها على سبيل التفكر والتدبر، فتبين لنا أنها موسوعات توثيقية عن "المعيش" في عصورها، وقد عنينا بالمعيش إجمالا التجربة الإنسانية في كثافتها وفي تعدد وجوهها ومجالاتها بفاعليها المختلفين وما أنتجوه في مسيرة تفاعلهم مع واقعهم من صور مختلفة تنظم وجودهم، إنها التجربة الإنسانية نسجها الإنسان وانخرط فيها من جهة كونه كائنا عاملا ومحتفلا ومتعبدا وطالبا المأكل والملبس والكين والمتعة والتسلية، ومحتاجا إلى التواصل دائما مع بني جنسه، ومنتجا أشكالا مختلفة من السلط والأنظمة والقوانين والأخلاق والطقوس التي حكمت مناشطه ماديا ورمزيا وأعطت لعلاقته بنظرائه معاني ووظائف ... وتزودنا لهذا الأمر بعدة نظرية استلهمناها من الدرسين السويولوجي والأنثروبولوجي بروافديهما المتعددة لما تتيحه لنا من مداخل للإلمام بمظاهر " المعيش" وإدراك آليات اشتغاله ودراستها دراسة سعت جاهدة إلى أن تكون علمية تسهم في تعميق معرفتنا بمجتمعات العصر الوسيط معرفة تتجاوز الوصف إلى الفهم والتحليل والتأويل.