لم تعد السياسة اليوم تُصنع فقط داخل الأحزاب أو البرلمانات أو المؤسسات التمثيلية التقليدية، بل صارت تُعاد هندستها عبر صيغ جماعية جديدة تُنتج الانتماء والشرعية والعداء في الآن نفسه. من هنا تنبع راهنية هذا الكتاب: من محاولة فهم الجماعوية لا باعتبارها مجرد نزعة نحو التضامن أو التنظيم الأهلي، بل بوصفها منطقًا سياسيًا كونيًا يعيد تشكيل المجال العام في تونس كما في العالم.
في الحالة التونسية، تكتسب هذه المسألة كثافة خاصة في ظل أزمة الوساطة السياسية، وتراجع الثقة في النخب الحزبية، وصعود تصورات جديدة للشرعية تقوم على القرب من “القاعدة” ورفض الأشكال الكلاسيكية للتمثيل والتنظيم. غير أنّ هذا التحول لا يُقرأ فقط كاستجابة لأزمة الديمقراطية التمثيلية، بل أيضًا كجزء من إعادة هندسة المجال السياسي نفسه: من يتكلم باسم الشعب؟ من يُعترف به كفاعل شرعي؟ ومن يُدفع إلى الهامش أو الإقصاء؟