يقدّم هذا الكتاب مدخلاً تمهيدياً لدراسة جذور الممارسات الموسيقية المرتبطة بالإطار الديني الإسلامي، ولا سيما الصوفي، في المجال المغاربي الذي يشمل المغرب والجزائر وتونس وليبيا. ويسعى إلى تتبّع تطوّر هذه الممارسات عبر المراحل التاريخية التي عرفها التصوف منذ ظهوره في المنطقة خلال القرن التاسع الميلادي إلى العصر الحاضر.
يبدأ البحث باستقصاء أصول هذه الموسيقى «الدينية» في العالم الإسلامي ومناقشة الفرضيات التي تربطها بتأثيرات خارجية، ثم ينتقل إلى تتبّع مظاهرها الأولى في القيروان لدى الزهاد والعبّاد منذ القرن 3هـ/ 9م. كما يسلّط الضوء على الدور البارز الذي اضطلعت به مدينة بجاية وتجربة الشيخ أبي مدين شعيب في تطوير تقاليد السماع والإنشاد.
ومن آثار هذه «المدرسة الصوفية المدينية»، ظهور «التيار الصوفي الشاذلي»، وما انبثق عنه منذ القرن 9 هـ/ 15م، من «طرق صوفية» شعبية، تمكّنت من تحقيق تلك «التسوية الجاذبة إلى القاعدة» من خلال إقحام العديد من الأشكال والأنماط والأساليب الموسيقية الشعبية ضمن أعمال الذكر والإنشاد الصوفي. وقد دققنا البحث في ممارسات أشهر هذه «الطرق»، ومن بينها «الجزولية»، و«العروسيّة»، و«السلامية»، واستنتجنا أن قاعدتها الشعبية التي ارتكزت عليها، قد أثرت أيما تأثير في أعمالها وممارساتها الإنشادية، ممّا صيّرها بمثابة المحضنة الإبداعية التي تولّدت منها العديد من المبتكرات الأدبية والموسيقية.