الإهتمام بتاريخ الجيش هو جزء لا يتجزأ من خدمة الوطن. ولا يمكن إعطاء البُعد الضروري لما يتميز به من قيم وفضائل إلا بالرجوع إلى الوراء، لنفهم الظروف التي نشأ فيها وشب وترعرع ، وإبراز دوره في الحركة الإصلاحية الحداثية التي عرفتها البلاد خلال القرن التاسع عشر وفي الأحداث العالمية التي لم يتخلَّف عنها مثل مشاركته في حرب القرم (1854-186 إلى جانب قوات التحالف العثماني الأوروبي، ومساعدته لبلاد عربية شقيقة في تدريب جيشها النظامي الفتي.
كان تأسيس الجيش النظامي مبنيا على نمط الجيوش الأوروبية الحديثة من حيث التنظيم والتجهيز والتدريب والقيادة، وهو بمثابة العنصر المتقدِّم في بناء الدولة الحديثة، إذ أنّه يعتبر أوّل مؤسسة رسمية تونسية حداثية في تاريخ البلاد.
لم يكن الجيش النظامي التونسي منذ تأسيسه أداة للحرب، بل كان النواة الأولى للحركة الإصلاحية الوطنية وقاطرة لنهضة المجتمع التونسي وتحديثه. فساهم بصفة مباشرة في تكوين الظروف السياسية والصناعية والعلمية والإجتماعية الملائمة لخلق ديناميكية جديدة في البلاد كانت لها آثار مهمة بالنسبة لمستقبلها.
تكمن أهمية هذا الكتاب في تعلقة بجانب تعلقة بجانب مهم من التاريخ العسكري التونسي القريب، سعينا من خلاله إلى إنارة بعض الجوانب المخفيّة من تاريخ الجيش النظامي الوطني، وإبراز دوره في بناء الدولة الحديثة، وإخراج من تحت الردم ما هو مجهول أو مغمور أو مهمل أو ظلّ غائبا عن الأنظار، إيمانا منا أنْ لا مستقبل لأمة تفقد ذاكرتها.