أخاف من ارتياد المدارس ورؤية المقاعد، فكلّما لمحتُ مقعداً تلوّنَتْ أصابعي بلون الحبر الذي خطّت يداي به اسمينا على مقاعد الماضي، وأرى الحروف تنسلخ عن الأخشاب وتستقرّ على كفي ليتحوّل لونها إلى أزرقٍ سماويّ كعينيها.
لم أعدْ قادراً على تمييز عناوين الكتب وعزفْتُ عن شرائها فكلّ كتابٍ أشتريه يتحوّل في المساء حين أخلو بذاتي لأمارس فعل القراءة إلى كتاب القراءة الذي كنتُ أستعيره منها، ففي الصّفحة الأولى أجد اسمها، فأجسّ نبض حروفه، وأقلّب صفحاتٍ أخرى فأسمع نغم صوتها وهي تردّد أناشيدنا المدرسيّة: «ماما ماما يا أنغاما، وعمّي منصور النجّار».
هكذا حبّ، هو السجن الذي لا يضاهيه سجن والقيد الذي لا يصدأ في معصميك مهما طال الزمن، يظل ينمو مثل نبتة العلّيق حول أغصان روحك فلا تستطيع منه فكاكاً مهما كبرت ومهما صفعت الريح أغصانك، ولا يموت إلا بموتك ولا يفتأ يغرز ذاكرتك بمخالبه كلّما حاولت التحرّر منه.