*هذا الكتاب (كلكامش – أنكيدو، الموت ومعنى الوجود!) للدكتور "ماجد الأميري" من العراق، ترجمة جديدة ، شاملة ، محيطة ومكثّفة لنص المؤلّف البابلي سين ليقي ـ أونينّي ، أوّلاً ، وقراءة أنثروبولوجيّة شاسعة في النّص ـ النّصوص المختلفة ، ثانياُ ، ونقد هادىء للقراءات المجحفة والمغالية والمتجاوزة لرؤى الكاتب المبدع سين ليقي ووقفة تأمل لاحتراقاته في قلب اشتعالات رؤى الفكر الإنساني وتوهجها اللاهب برؤيا متمايزة تزعمها لنفسها . وهو ، أي الكتاب ، فوق هذا وذاك ، رصد دقيق وثاقب للصراع المأساوي الذي تعانيه روح الكاتب ـ الإنسان ـ المبدع ، المحصورة بين حجري الرحى (( لا محدودية الإمكان والنفاذ والرؤيا )) و (( محدودية التحقيق والتعبير والتجسيد )) المتمثّلة في رؤية سين ليقي لمأساة الوعي الكَلكَامشي في شخص كَلكَامش التاريخي ـ الواقعي ، الذي هو في الحقيقة وعي مأساته الشخصيّة والخاصّة لمفهوم الموت ورؤى الإنسان ـ المبدع وأحلامه التي تتخطّى حدوده وتمنحه مبرّرات التحليق الفكري والفلسفي والمتخيّل في آن واحد ... هـذا الكتاب ، ليس تأريخاً ، للأدب الرافدي القديم مُمثّلاً بـ : كَلكَامش ـ أنكيدو ، إنّما هو عمل تأليفي بشكل أساسي يوقد اشتعالات رؤى الفكر الفلسفي الأوّل والإحداث الخلاق داخل نورانية الشمس التي يفترض ابتلاعها ، ومسيرة لماذائيّة كبرى تبدأ بدراما لا محدودية الإمكان لتنتهي بمحدودية التحقق ليعيد تشكيلها برؤيا مغايرة خارجة عن حدود التوقّع الشخصي بالرغم من الثقة الصوفية بجدّة الرؤيا وتمايزها الجذري . فهو يتطرّق بالتحليل إلى مأساة الوعي الكَلكَامشي ، المبتدع من سين ليقي ـ أونينّي ، فأولج مفهوم أو تصوّر اللاتناهي بوصفه مطلق مفارق في الوعي الإنساني الماورائي الذي طوقته الإنحنائية المغلقة للدائرة . فقد وعى الكاتب بمكابدة حادّة وعي التناهي ممثّلاً بشخصيّة كَلكَامش الذي وعى بدوره ذلك التناهي المرير بموت أنكيدو ، فتولّد من وعي التناهي وعي اللاتناهي كقصدٍ لأناه المتعدِّمة ، فسعى بشتى الوسائل الممكنة لإختراق تناهيه والإلتحام باللا تناهي ، عبر اختراق نسبية الإنسان إلى مطلق الإله . وبذلك يمكننا القول ، مع سين ليقي عبر كَلكَامش بدأ فصم الإنسان عن الإله أو الإله عن الإنسان دون خطيئة وبفارق عدمي مطلق ، ولذلك ، وبذلك ، تكون تجربة الوعي الكَلكَامشي التي سطّرها الكاتب سين ليقي أوّل لماذائية دراميّة ماورائيّة في تاريخيّة الوعي الإنساني حاولت النفاذ إلى ماوراء القائم والمعطى بحركة وجودية كاملة ، وبحثت عن إجابة للسؤال الكبير الذي يساءلنا إيّاه التاريخ على الدوام :
ماهي العلاقة بين الحياة والموت ، بين التاريخ والفرد ، بين العالم ، الكون الكبير والعالم الصغير للإنسان ؟ ومن يصنع الآخر ، التاريخ يصنع الإنسان ويحطّمه أم الإنسان هو الذي يصنع التاريخ ، وأخيراً هل البشر هم أسياد الأزمنة أم هم ضحاياها ؟