*من مجموعة شعريّة إلى أخرى يحرص الشاعر التونسي “أسامة حمري” على إدهاشنا بتجاوز نفسه باضطراد وهدوء في آن. هو لا ينافس أحدا من سابقيه أو مُجايليه لكنه يصنع قاربه الخاص الذي يريده متيناً لاعتلاء موج الشعر في هَيَجانه وتأمّل أعماقه حين يهدأ.
هذا ما تشفّ عنه مجموعته الثالثة “غابة ترتدي الثلج”. كلّ قصيدة من هذه المجموعة تقدّم نفسها في إهاب إيقاعي يتلألأ بالرؤى والاقتراحات الجمالية اللافتة. هذا الصوت الذي بدأ نحيلا كسهام ضوئية سرعان ما أشرق شُهُباً تلمع وتنطفئ في مجموعته الثانية “اصمت لأراك” لكنه في “غابة ترتدي الثلج” يُعلّق قمراً من المفاتيح السحرية لإضاءة دروب الغابة وإذابة ثلجها عن عشب الروح المزهر.
بين ذات الشاعر المترعة حزناً وعالمِه/عالمِنا المُسَرْبَلِ بأسئلة الوجود وقلق الكائنات تتشكل قصائد هذه المجموعة متمردة على النمط ولكن في الوقت نفسه حريصة على بناء جمالها باكتساب مهارات في سياق تجريبيّ حذِر من الوقوع في فوضى جاهلة كما هو حال تسونامي الكتابات التي تنسب نفسها إلى الشعر تَنَطُّعاً. هذا كله يلحظه القارئ في أرخبيل شعري من ثلاث جزر، الأولى بعنوان “الماء المسافر”، والثانية سمّاها “الأشياء تفكّر” والثالثة “موت يخاف أن يموت”.