رواية "حياة مع صاحبة الجلالة" هي الجزء الثالث من ثلاثية الحياة التي كتبها الكاتب المنجي السعيداني. بطل الرواية يروي قصة حياته الشخصية والمهنية مع الصحافة، أو كما يسميها "صاحبة الجلالة". يبدأ فارس رحلته في الصحافة من جذوره الريفية في بلدة بوجبلة مدينة سجنان، حيث ينقل لنا بأسلوب صريح وواقعي تفاصيل نشأته وأصوله، مشيرًا إلى تأثير العائلة والأصدقاء، وكذلك الحياة البسيطة في الأرياف التي ساهمت في تشكيل شخصيته.
الرواية تسرد لنا أيضًا علاقته بالصحافة كأداة لتغيير المجتمع، إذ يسرد لنا تطور مسيرته المهنية وانتقاله من الصحافة التقليدية إلى العمل في ظل الصحافة الحديثة التي ظهرت مع ثورة الياسمين. يختلف فارس عن الكثير من الصحفيين الذين يتركون المهنة عندما تتاح لهم الفرصة، إذ يصر على البقاء في عالم الصحافة رغم تحدياته وصعوباته. هذا التمسك بالصحافة يُظهر في الرواية مدى تعلقه برسالته الصحفية رغم التحولات السياسية والإعلامية التي شهدها البلد.
الكاتب يستخدم أسلوبًا سينمائيًا في الكتابة يعتمد على تقنية "الزوم الأمامي" و"الزوم الخلفي" التي تسلط الضوء على تباين الحياة بين الريف والمدينة، بين الماضي والحاضر. هذه التقنية تساعد على إبراز الاختلافات بين أصول فارس الريفية وحياته الحالية في العاصمة تونس، مشيرًا إلى التغيرات الثقافية والاجتماعية التي مرت بها البلاد.
الرواية لا تقتصر على سرد حياة فارس الشخصية، بل تُعالج أيضًا واقع الصحافة التونسية في مراحل مختلفة من تاريخها. يمر البطل بتجارب متعددة مع صحف مختلفة، ويعكس كيفية تغير ميدان الصحافة بين فترة حكم الرئيس الراحل أي العهد القديم وما بعد ثورة الياسمين، حيث شهدت صحافة الثورة تحولات كبيرة، سواء في الأيديولوجيا أو في الدور الاجتماعي والإعلامي. لكل حقبة صحفية أبطالها ورجالها، ورغم أن الصحافة قد تبدو متغيرة، إلا أن فارس يظل مخلصًا لها، يرى فيها رسالة حقيقية تؤدي إلى التغيير.
في النهاية، "حياة مع صاحبة الجلالة" ليست مجرد رواية عن الصحافة، بل هي سيرة ذاتية شخصية للكاتب تحمل بين طياتها تأثيرات الثقافة التونسية على الإنسان، كما تقدم صورة عن حياة الصحفي الذي يتنقل بين أدوار مختلفة في محاولة لفهم دوره في المجتمع وتبرز في نواح أخرى منها مدى تغلغ الفساد في المؤسسات العمومية والخصوصية للإعلام والصحافة.