عطر البدايات لمنّوبي زيّود القاضي والمحامي الّذي صمد لتحدّيات الزّمن وإكراهات المهنة الّتي عجزت على أن تهزم موهبته القصصيّة وولعه بسحر الكلم، هو نصّ في ذكريات البدايات- حسب عبارة مؤلّفه- يستلهم عطر الطّفولة والصّبا، وهو عطر تعتّق بفعل مرور الأيّام والسّنين في ذاكرته الحيّة، حتّى صار قرينة على اجتياح عوالم النّشأة الأولى الفائحة لحياة المؤلّف الكهل، فإذا هو يستدعيها بقلمه متنسّما رائحتها الزكيّة. هذه الطّفولة هي علامات وجود كان يتبرعم، فالكائن الطّفوليّ هو الكائن الأصل، الكائن المخبّأ الّذي يبني في صمت الخفاء، وبكلّ أناة الكائن النّاضج المحنّك بالحياة. ولهذا السّبب كان الشّاعر الانجليزيّ وردزويرش يعتبر "الطفل هو والد الرّجل".
الاحتفاء بالطفولة هو لدى منّوبي زيّود احتفاء استعاريّ بعبق النّشأة، وكذلك هو دائما في كلّ مدوّنات المترجمين لذواتهم السّيرذاتيّة، احتفاء ساحر ومنعش يعيد لهم ألق زمن جميل وثمين يعودون لابتعاثه بحثا عن تجذير هويّتهم في طبقاته المتشعبّة ومنعرجاته الملآى بالمفاجآت المبهرة. عوالم الطّفولة السّاحرة هي المنبت والبوّابة الأولى الّتي يدخل منها الطفل إلى متاهات الحياة، وهو غير مدرك لأغوارها ورهاناتها، ولذلك استعار جبرا إبراهيم جبرا لسّيرة طفولته صورة البئر، فالطّفولة عنده هي البئر الأولى لأنّها- مثلما ذكرنا- منبع الحياة الفرديّة وأصلها، وإليها يحتاج المرء أن يعود في سنوات الجدب والمعاناة ليمتح من معينها المفعم بمعاني الحياة الجميلة. ففي زمن الكهولة تصبح الحاجة إلى اقتفاء أثر الطفل الّذي كانه المترجم لذاته حاجة أساسيّة وملحّة، ذلك أنّ الوقوف على أعتاب الكهولة أو الشّيخوخة يحفّز- أكثر من أيّ وقت آخر- ذكريات الصّبا، ويمنحها الفرصة في أن تطفو على السّطح لتعيد ما اختلّ من موازنات العمر المترنّح.
هذا التوجّه السّيرذاتي الارتدادي آخذ لدى منّوبي زيّود في تعميق هذه الحركة الارتجاعيّة مع كلّ نصّ ذاتيّ قياسا إلى سابقه، فبعد ترجمته لذكريات مساره القضائيّ في كتابه ذكرياتي القضائيّة في الصحراء أخذ يرتدّ أكثر فأكثر من خلال عطر البدايات إلى عوالم نشأته الأولى في اتّصالها الوثيق بمكان هذه النّشأة، وهو جزيرة جربة المكنّات بجزيرة الأحلام.