اهتم الجغرافيون والحضريون والمؤرخون وغيرهم بالإسكان كشكل حضري في الفضاءات ما قبل حضرية وما قبل صحراوية الا ان هذا المفهوم نفسه ستتسع مدلولاته في القرن العشرين الى معنى اشمل من الشكل المعماري ومن معنى السكنى والسكن ليتحول الى إشكالية في العلوم الإنسانية تقوم على تحليل علاقة الفرد ببيئته بمكونات مصطلحية مختلفة وبخلفيات معرفية مختلفة وفي سياق اخر سيهتم بالمعنى الثقافي والرمزي والأنثروبولوجي. هذا التوسع او التحول هو الذي سيحدد الإطار المرجعي والمعرفي لقراءة الدكتور محمد الحبيب الونيسي الدغاري للقصور الصحراوية حيث اقترح من خلالها، إعادة النظر في تلك الفضاءات، لا من زاوية كونها مخازن واماكن استقرار أي كشكل معماري فحسب وانما كشاهد من الشواهد القائمة على تمثل الفضاء في المخيال الشعبي لسكان الجنوب الشرقي التونسي أي كثقافة وتمثل وتصورات. من هنا يصبح الإسكان غير منحصر في مجرد بعد جغرافي او في أحد المفاهيم الثبوتية في الحقل الجغرافي أو غيره، انما هو مسار حركي تفاعلي بين الفاعلين (التمثل والتصور والمعرفة) وبين الفضاء والمكان وهو ما يشكّل في نظرنا براديغما جديدا ومدخلا نظريا جديدا في تناول ما يطرحه الإسكان والمعمار من مسائل واشكاليات بما هو حيز ثقافي ينتج ثقافة وميدانا للبحث وهو ما يعرف بأنثروبولوجيا الفضاء أو المكان.