تعد الثقافة الموسيقية مجالاً معرفيًا ظلّ لوقت طويل خارج دوائر الاهتمام في الكتابات العربية، رغم كونها حقلاً غنيًا بالدلالات الاجتماعية والرمزية، ومجالا كاشفًا لتحولات الذوق وأنماط العيش، وأشكال التعبير عن الذات والجماعة. وانطلاقًا من هذا التهميش، يأتي هذا الكتاب بوصفه محاولة معرفية تسعى إلى مساءلة الموسيقى خارج اختزالها الجمالي أو التقني والنظر إليها باعتبارها ممارسة ثقافية تتشكل داخل علاقات اجتماعية، وتتحرك ضمن توازنات السلطة والاعتراف والشرعية داخل الحقل الموسيقي.
يشتغل الكتاب على قضايا موسيقية ميدانية، مستندًا إلى مقاربات سوسيولوجية تُعنى بتحليل شروط الإنتاج الموسيقي ومسارات التكوين وآليات التلقي، وتمثلات الفاعلين الموسيقيين لأنفسهم والممارساتهم. كما يسعى إلى تفكيك الأدوار والوظائف التي يضطلع بها الفاعل الموسيقي داخل الفضاء الثقافي، بوصفه منتجًا للمعنى، ووسيطا اجتماعيًا، وفاعلا رمزيًا يساهم في إعادة تشكيل الحس الجماعي والخيال الاجتماعي ولا يتوقف هذا الكتاب عند حدود الوصف أو التحليل الميداني، بل يطمح إلى الإسهام في بناء مسار معرفي يربط بين التجربة الموسيقية والسياقات الاجتماعية التي تنتجها وتعيد إنتاجها. ومن خلال هذا الربط يُعاد طرح الموسيقى بوصفها مسألة ثقافية بامتياز، تتقاطع فيها أسئلة الهوية، والذاكرة والانتماء، والاختلاف، والذوق والشرعية الثقافية.
وفي هذا الأفق، يقترح الكتاب تفكيراً أوليًا في إمكان تأسيس مقاربة نظرية للثقافة الموسيقية تنطلق من خصوصيات السياقات المحلية، دون الانغلاق عنها، وتسعى إلى بناء نظرية في الموسيقى تنصت إلى الفاعلين، وتستند إلى الممارسة، وتفكر في الموسيقى كفعل اجتماعي حي، لا كموضوع معزول عن شروط إنتاجه وتداوله ومعناه.