كيف يمكن فهم الاستلاب الثقافي في تونس؟ كانت بداية هذا الاستلاب في رحاب الجامعة التونسية، في اختصاصات التاريخ القديم، حين أصيب بعض المؤرخين بالفُصام الأكاديمي : تدريس تونس القرطاجية، بنظارات يونانية ولاتينية.
ويتحول ذلك الفُصام إلى رُهَاب الانتماء إلى الفضاء السامي، فتحدث عملية السلب الثقافي، أي تغليب القراءة اليونانية - الرومانية لتاريخ قرطاج، فيكون نكران الجذور الشرقية القديمة المغروسة في التربة الليبوية، وتُصبح الحضارة البونية أُم وَلَد، وتكون قرطاج دَعِية. ثم تُرْسَم الحدود أمام المختصين في البُونِيَة، فَيَتم عزل ممالك الهلال الخصيب، ومصر وفِرْعَوْنِيتها، وبلاد ما بين النهرين وبابلها، فَيُصِيب قرطاج اليتم، وَيُطْرَد اللسان العربي - لسان بلاد العرب، رحم السامية- من دائرة المادة الأثرية وقراءة النقائش البونية. فتعيش قرطاج في الغُربة، وتعيش النخبة في الغبن المقيط، وكان ماعون من بين ضحاياه، فقد تَفَرنس اسمه، وذَابَت شَخْصِيته في خمر أحمر، لم ولن يسكر المتنكرين له، ولا الذين يستحيون من ذكر اسمه. لقد جمعتني كل هذه الهموم بالسيد فرج شوشان وطلب مني، منذ خمسة عشرة سنة مضت، أن أكتب كلمات تشفي غليل الباحث الذي يُريد أن يَتَعَرَّف على شَخْصِية مَاغُون وفكره النقدي وسيرته التي شابها الكثير من المغالطات. وبذلك فإننا نُعِيدِ لَمَاغُونَ صُورَتَه ومنزلته في تاريخ الإنسانية : حيث كان ماغُون الدرة التي أراد الجميع أن يَنْسِبُوها إلى أنفسهم، ولكننا بهذا العمل المتواضع نسبناه إلى أرضه، إلى حيث أراد أن ينتسب.... ولم يُفَارِقْنِي ماغُون وأنا أتلذذ عَصْرَه بين طعم التاريخ ونكهة الأدب.