آه من هذا الحمل الثقيل الذي دلف من رحم أمه لا تعرف هامته من رجليه، خلق هو على كل حال، ترتسم على محياه علامات الوداعة والقبح والدهاء والطيبة، غيمة من الرموز اقتلعته من مهده ودسته بين أوراقك يحبرها حتى لا تشتعل الصفحات شيبا ببياضها.
... ويخرج من شدقيك عالما من العلامات وينبت فيك وجع الحرف والساكن والمد ويخط عليك كصحيفة مهترئة نتوءات أزمنة حبلى بالانكسار والليل البهيم، لا يستقر على حال ولا يقر له قرار، ضاحكا باكيا، مستسلمها، متمردا، يطول ويطال ذاك هو جنون الكلمة عند احتضار المعاني حيث تقبع بفكرك مصرة بكلام زمهرير يؤرق ليلك ويُسهد أهدابك بحثا عن الرضا والقناعة بالحرف الذي لم يلفظه فيك بعد.
القناعة صنم من أصنام الجاهلية تفتق في ذهنه قبل أن يقرأ عنه في كتب الأولين ولكن بقية منه تلوّنت بلون أفكاره فبزغت عليه ضحا كشمس المعارف تجوب فيافيه لتقع على الماء تحبلها نباتا، زرعا ينشر الخضرة والفكرة وقطار المعاني الطويل الذي خاطته أشباح ليله الأبيض المضرج بسواد المحبرة ...
وتثاقل عليك المعاني وعندما تضيق ضرعا بحصارها تفتح لها الدروب الموصدة فتسيل كالسيل الجارف تشيء إلى الأوراق غلظة معدنك وعتمة أفقك لكنها على ذلك تتشابك بين أوراقك وتؤسس لشبح رواية تقوم وتصحو على طرق شخوصها ....