كانت تونس، ومنذ حوالي ثلاثة آلاف سنة، مركزا للسلطة السياسية مع تطوّرات وتقلبات شكلت هيكلة الحكم ومناطق نفوذه ومركزه. ولم تنجح أي قوة خارجية في القضاء على الذاتية السياسية التونسيّة التي استطاعت أن تصمد، ولو أنها تفاعلت إيجابيا مع مختلف الحضارات التي تعاقبت على البلاد التونسية. ولم يمنع انتماء تونس لحلقات أو المراحل حضارية عديدة من التفرد والمحافظة على خصوصيتها الاجتماعية والسياسية فكانت هذه البلاد دوما، ولا تزال، مركزا للممارسة السياسية السلطوية. وقد أعادت الثورة التونسية للتونسيين والتونسيات الريادة والسبق في المجال الاجتماعي والسياسي والحضاري، رغم الصعوبات التي واجهها وما زال يواجهها الانتقال الديمقراطي الذي يبقى عملية معقدة خاصة بالنظر إلى تاريخ البلاد ومحيطها الدولي والإقليمي، ورغم الأزمة الاقتصادية والاجتماعية الخانقة وهشاشة التوازنات المالية للدولة التي ما فتئت تتفاقم وتعطل مسار الانتقال الديمقراطي. ورغم ثراء التجربة الدستورية التونسية. فإن ذلك لن يمنعنا من التأكيد على العلاقة المتشنجة لجزء كبير من الطبقة السياسية مع التاريخ وذلك بحكم رغبة أغلب السياسيين، على مدى الأحقاب، في مصادرة النجاحات والتنكر للماضي وعدم استخلاص العبر منه.