هذا كتاب كُتب بصورة أساسية بغاية الوقوف على ماهية العمل النقابي العمالي في لحظة مفصلية من تطوره بالبلاد التونسية، وهي اللحظة التي سبقت ثم أعقبت الإضراب العام الوطني الكبير الذي شنته الطبقة العاملة التونسية يوم 26 جانفي 1978 بكامل أرجاء البلاد، ذلك الإضراب الذي جدت ملابساته في ظل نظام لئن كانت له إنجازات لا نقاش فيها في ميادين التنوير، وتعميم التعليم، وتحرير المرأة، فإن ذلك لا يمكن ولا يجب أن يُخفي أبدا أنه كان أيضا نظاما استبداديا يخنق أنفاس الحرية، ويزيف الانتخابات، ويتعامل مع المعارضات بالرصاص الحيّ، وبالقنابل المسيلة للدموع، وبهراوات فرق النظام العام، وبزنازين التعذيب: هناك حيث يموت المعارضون تحت وطأة التنكيل بهم بدون حسيب أو رقيب تقريبا، أو تلحق بكياناتهم من جرائه مختلف العلل والإعاقات، فيعانون من ويلاتها وآلامها بقية حياتهم... لذلك كان هذا النظام يُدجّن القضاء أيضا، ويقيم المحاكمات الجائرة أمام محاكم استثنائية مثل محكمة أمن الدولة سيئة الذكر، حيث يحال الناس بتهم ملفقة أمام قضاة قساة وموالين يحكمون على ضحاياهم بدون شفقة وبدون أدنى مراعاة لقواعد المحاكمة العادلة، بالإعدام، أو بالحبس ظلما لآماد طويلة ليُسجنوا في أسوإ الظروف، من أجل ممارسة أبسط حقوقهم أحيانا.