"ساكن في اسمي" للمناضل والكاتب التونسي "محمّد الصالح فليس" هو ثالث ثلاثيّة في السيرة الذاتيّة بعد كتابيه "عمّ حمدة العتّال" و"سجين في وطني" لكنّه هنا يركّز من خلال تجربته الشخصيّة على نقد تجربة اليسار التونسي في مرحلة من مراحل وجوده. وفي تقديمه للمخطوط ، كتب الدكتور مصطفى الكيلاني:
"...وإذا "ساكِن في اسمي" لا تقتصِرُ على وَصْفِ الأحداث المعيشة ضمْن فترة تاريخيّة مِن حياة الذات الكاتبة ومجتمعها فحسْب، بل تُمازِجُ بين الموصوف والبوْح بمواقف سياسيّة وإيديولوجيّة يساريّة غيْر مُهادِنَة وحالات وجدانيّة، كما تُراوِح بين كِتابة التاريخ شهادةً وكِتابة الروح وُجُوداً، لذا فلا فِكاكَ في الأسلوب المؤدّى بينهما سَرْداً، ولا انفصال في المعنى.
وإذا نضال محمّد الصالح فليس، بِمُزْدَوَجِ دلالة ما يصل ولا يُفارِق بين الإيثار والسعادة، هو نضالٌ بالِغ الخصوصيّة، لكوْنِهِ نضالاً وُجوديّاً قبل صفته الإيديولوجيّة والسياسيّة، في تقديرنا، بل لولا ماهيّته الوجوديّة لَمَا اكتَسَبَ تلك الصفة المخصوصة الإيديولوجيّة والسياسيّة. وَدليلُنا الأوّل على ذلك أنّه نضالٌ ينتصِرُ بوُضوحٍ تامّ للإيثارِ على الأثَرَة، كما أسْلفْنا، مِثلما المُحفِّز عليه إنّيّةٌ تتماهى والغَيْريّة إلى حَدِّ تفاني الأولى في الدّفاعِ عن الثانية، نتيجة تسليمها إحساساً عميقاً وعَمَلاً بأنّ لا حُريّة ولا تَحَرُّر لِإنِّيٍّ في غياب حريّة الجميع، حيث كُلّ الحرّيّات الفرديّة مَضمونةٌ تَساوياً بالحقوق والواجبات.
ولأنّه لا إمكان لِبُلُوغ مَعنى الإيثار أو معانيه إلّا لِمَن جَرَّبَ خَوْضَ الحالات والمواقف القُصوى فَقَد طوّفَ محمّد الصالح فليس، في هذا النصّ تحديداً، وفي مُجْمَل ما كَتَبَ تشميلاً بِعِشْقِهِ للآخَر / الآخَرين في ما بين الحياة والموت، مُدْرِكاً بذلكَ أنَّ أقصى الحياةِ ماثلٌ في الموت ذاته، وإنْ لا مَعنى لِمَوْتٍ "جميلٍ" أيضاً إلّا بالحياة. فَمِثلما تلتقي في هذا النص رمزيّة الحبر والدّم بما يُقارب في المعنى قَوْلةَ فريدريك نيتشه من "هكذا تحدّث زرادشت": " اكْتُبْ بِدَمِك!، فإنَّ الدَّمَ هُوَ روحك" يُخصِب ديالكتيك الصراع تاريخاً جمْعيّاً لا يتحقّق واقِعاً إلّا بتاريخ الفَرْد، كالذي تَعَلّمناهُ مِن هيغل وماركس تحديداً، بل لا تاريخ ولا اشتراك في التاريخ بين الفرْد والجمْع إلّا بإرادةِ الحياة، إرادة القوّة تفريداً أو تجميعاً، عند ضَمّ إرادات الأفراد إلى إمكان حُدُوث إرادة عامّة مُقتَدِرَة على مواجهة كُلٍّ مِن الفساد والاسْتبداد".