وفي ظل هذه الإشكاليات المتعددة التي تطرح حول الماء قديما وحديثا، يندرج البحث الذي أنجزه مسطاري بوكثير حول المجتمع والماء، وقد اعتمد على مقاربات تاريخية وأثرية حديثة، حتى لا يقع اجترار ما ورد في الدراسات التقليدية.
لم يكن الطريق ميسّرا، وكان واعيا بشتّى المخاطر، وبها يتعين عليه القيام به من جهد لتجاوزها، فلا المصادر متوفرة، ولا البحث في الآثار المائيّة في العصر الوسيط أمرا مفروغا منه. ومع ذلك، اختار الانخراط في هذا المشروع الواعد المتعلق بتاريخ الماء وآثاره، في إطار مقاربة تقوم على المقارنة، دون أن يغفل عن خصوصيات إفريقيّة الجغرافية والتاريخية. وإذ فضّل الزمن الطويل في تناول القضايا العامة، حتى يتمكّن من الوقوف عند المفاصل والمنعطفات الكبرى في تاريخ الماء، فإنه توقف عند مجال مجهري، وهو جبل السند، للبحث والتمحيص عن مسألة الماء في القرى الجبلية.
كتب المصنّف بلغة بستساغ قراءتها، خالية من التراكيب الهجينة، وفق مقاربة منهجية موفقة، وقد دعم البحث بوسائل الإيضاح، فكانت تاریخ الخرائط والرسوم والصور معبرة عن مضمون النص، الذي تدرج فيه من محور إلى آخر.