لقد اصطفى البدوي زمن الجاهلية من هذه البيئة البدوية ما يخدم غاياته في القول الشعري، فأقام حفريات لغوية في تلك المغاور والكهوف والسهول الصحراوية ليستصفي لنفسه علامات لغوية ودلالية أنتج من خلالها صورا شعرية خصبة فبعث فيها الحياة لتتولد منها صور ودلالات (...) تشيد الأبنية شعريا بدلا مما تداعى منها واقعا، فبيت الحزن ودعائم الذكرى وكن العواطف وروابطها التي تصل الشاعر بحبيبته، وغطاء الكآبة وحبال الوصل المنصرم تحل محل الخيمة وأوتادها وحبالها التي انقطعت وبادت وأبيدت بفعل البيداء وطقسها وريحها وفعلها والزمن وصروفه؛ والزمان وقد ناء بكلكله على نفس الشاعر. فتتولد شعرية النص وشاعرية الصورة من رحم المعاناة التي ألمت بالشاعر، فقدحت شرارة النظم وتلألأ قبس النار من تلامس جذوة الشعور بالفقد والحزن واليأس في فؤاد الشاعر المكلوم مع الأثافي وبقايا الأوتاد؛ فتتطاير منه قادح للشعر.