بعد عشرة سنوات من ثورة تناقلتها أكفّ الهواة وعلا فيها صخب المهاترات واللّغو. وتاه فيها الناخب تتقاذفه صراعات ومطاحنات لا ناقة له فيها ولا جمل. وغاب العقل واستبدّت بالناس الأهواء. وتشكّل فيها الرأي العام بفعل إعلام موجّه لا رقيب عليه ولا حسيب، وأموال تدفّقت من حيث نعلم ولا نعلم لشراء الذمم. فأجهضت الثورة الآمال والانتظارات التي علّقت عليها مخلّفة في النفوس مرارة وتبرّما من السياسة والسياسيين.
ونتيجة لهذا الإخفاق تولّد عند الناس حنين الى الأزمنة السابقة للثورة. ونسوا أو تغاضوا عن عيوبها بعدما اشتغلت الذاكرة الجماعية على تنقيتها من الشوائب. وساد الاعتقاد في أن الخلاص رهين حكم الشخص الواحد المستبدّ العادل كما يختزله المخيال العربي الإسلامي منذ قرون. ومهّدت المناكفات السياسويّة وتردّي الأوضاع المعيشية لبروز مدّ شعبويّ انتهى بانقلاب قيس سعيد على الدستور وباستحواذه على مطلق الصلاحيات وسط تهليل ومباركة شعبية عريضة.
طوال هذه السنوات العشر كان صاحب هذا المؤلّف متابعا لصيقا للأحداث وأحيانا شاهد عيان عليها. لذلك تداخلت عند نقلها جوانب عامة وأخرى ذاتية وصاحب كلتاهما إعمال الفكر والنظر. فكان حديثا في السياسة اجتمعت فيه شهادة العيان بالتنظير ومحاولة الاستشراف.