أجلس على حافة الرّصيف..
لا شيء غيـر الأرجل، مشهد يوميّ بات معتادا ولا أكاد أرى في نهاري غيـره لكنّي لا آلفه، حدسي يخبرني أنّه سيبقى مشهدا غريبا مهما طال جلوسي على قارعة الحاجة. أرجل هنا وهناك تذرع حيرتها جيئة وذهابا بينما أضمّ أنا رجليّ إلى صدري وأضمّ صدري إلى خجلي وأضمّ خجلي إلى خجل المشاة جميعهم. فأنا إذ أقرفص في هذا المكان، فيقرفص معي العالم بأسره، أتسبّب في حرج للبشر منذ آدم إلى آخر إنسان سيغادر هذا الكوكب ويطوي صفحة هذا الجنس الذي سمّوه جنسا بشريّا ثمّ تبيّن لهم أنّه جرح سقيم في هذا الوجود.
أعتقد أنّ "تحت جسر أمستردام" تنويعة راقية لهذا الضرب من الكتابة الروائيّة التجريبيّة بامتياز، وهي تتجاوز كثيرا من الروايات التي ذكرتها، من جهة اختيارات المؤلّفة للعناصر التي تؤثّث عالمها التخييلي (Univers Diegetique) الصوفي. لقد ذهبت المؤلّفة إلى قلب الحضارة الغربيّة (أمستردام عاصمة هولندا بشوارعها الراقية ومزاراتها السياحيّة وجسورها الشهيرة) لتشعل شمعة الروح بين ظهرانيها. وجعلت ابن القيروان في رحلته الرمزيّة إلى جبل قاف يتسوّل في ساحة الدام سكوير، وعند جسورها.