لما كان لا يتيسر الوثوق بأن القرآن معجز ببيانه، إلا لعلماء البلاغة وللبلغاء لو أجابوا إلى تحديه فقصر بهم الجواب والتلبية، وأنه لما حاجج القرآن الذين أنكروا أنه وحي الهي على رسول بشري، بتحديهم إلى مثل شيء من بلاغته وبإعجازهم عن الإتيان بمثل سورة من سوره، ولو تظاهروا، لما كان جميع ذلك، وكان العلم به وبأحكام الإعجاز معصوبًا بالعلم بصناعة البلاغة وبأحكام تفاضل الكلام في الحسن والبيان، لزم من ذلك أن العلم بصناعة البلاغة شرط لمعاينة إعجاز القرآن. فمن ثبت لنظره واستحكم بفؤاده أن القرآن معجز لا يُبلغ مقداره ولا يُطوى مضماره، أوفده ذلك على اليقين بحق أخباره وصدق أنبائه، وأنه نزله إله سرمدي أحدي على النبي العربي. ومتى أثبت الناظر. بنظره وتبصره، أن تحصيل البلاغة شرط للتصديق بإعجاز القرآن، تصديقا عن تفكر وروية وتقليب نظر، لا عن محض التسليم الإيماني، ولا تصديقا متواكلا على اتفاق الأمة واصطلاحها على أنه معجز، أو تصديقا مخبتا إلى تواتر التبايع على أن القرآن كلام إلهي أمعن في تحدي الخلق حتى استيئسوا من الظهور عليه، فمتى أثبت الناظر كل ذلك. على جهة الروية، ثم علم أن أشرف مراد القرآن هو عند الاستدلال على التوحيد، تبين له. بالدليل القطعي وبالنظر اليقيني، أن البلاغة دليل التوحيد وطريقه، على جهة اليقين العقلي والدليل المنطقي.